Omrane

 آخر الأحداث والمستجدات 

المشهد الحزبي والانتدابي بمكناس.. حين يتحول النضال إلى «همزة» و«صبعي تمة»

المشهد الحزبي والانتدابي بمكناس.. حين يتحول النضال إلى «همزة» و«صبعي تمة»

يعيش المشهد الحزبي والانتدابي بمدينة مكناس، خلال السنوات الأخيرة، على إيقاع منطق جديد تغلب عليه حسابات «الهمزة» و«صبعي تمة»، في مقابل تراجع قيم كانت إلى وقت قريب تشكل جوهر العمل السياسي والنضالي.

فالنضال لم يعد، في بعض الممارسات، مرتبطا بالتطوع ونكران الذات وخدمة الصالح العام، بقدر ما أصبح يختزل أحيانا في البحث عن موقع، أو امتياز، أو فرصة للظهور والاستفادة.

 

والأكثر إثارة للقلق أن كلمة «النضال» نفسها تعرضت، بفعل كثرة الاستعمال خارج سياقها الحقيقي، لما يشبه التدجين والتدني في الدلالة، حتى فقدت جزء كبير من معناها الأخلاقي والسياسي ودلالاتها الكبيرة والعميقة وعلى رأسها التطوع ونكرات الذات وخدمة الصالح العام ولو بالترافع عبر مختلف الوسائل والوسائط.

 

فالنضال الحقيقي ليس بطاقة عبور نحو منصب، ولا وسيلة لبناء شبكة من المصالح، ولا شعارا يرفع في المناسبات. إنه قبل كل شيء التزام ومسؤولية وتطوع واستعداد لبذل الوقت والجهد دون انتظار مقابل.

 

أما حين يصبح السؤال الأول: «ماذا سأستفيد؟» بدل «ماذا سأقدم؟»، فإن الأمر لا يعود نضالا بالمعنى الذي عرفه المغاربة في مراحل مختلفة، وإنما يتحول إلى ممارسة سياسية محكومة بمنطق المصلحة الشخصية.

 

ومع ذلك، فإن هذا المشهد لا يخلو من استثناءات تبعث على شيء من الأمل، إذ ما تزال هناك شخصيات اختارت ولوج العمل الحزبي والانتدابي وهي في وضع مهني واجتماعي مستقر، وحققت نجاحا في حياتها العملية بعيدا عن السياسة، قبل أن ترى في الشأن العام مجالا لخدمة المدينة والمساهمة في تدبير قضاياها.

 

ولعل الفارق الجوهري أن هؤلاء لم يدخلوا السياسة بحثا عن مخرج من البطالة، أو لتأدية أقساط قروضهم الفاحشة، أو طمعا في الاغتناء غير المشروع، وإنما دخلوا إليها من بابها الطبيعي، لا من نافذتها؛ أي من موقع من يملك تجربة ومسارا مهنيا واستقلالية نسبية، ويأتي إلى العمل العام حاملا معه شيئا يضيفه، لا باحثا عما يمكن أن يضيفه العمل السياسي إلى رصيده الشخصي.

 

وهذه الاستثناءات، وإن ظلت محدودة، تؤكد أن السياسة والانتداب يمكن أن يستعيدا معناهما النبيل متى ولجهما أشخاص يعتبرون المسؤولية تكليفا لا غنيمة، وخدمة لا صفقة، وتضحية لا استثمارا شخصيا، وهنا نستحضر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنا والله لا نولي على هذا العمل أحدا سأله، ولا أحدا حرص عليه».

 

مكناس، التي عرفت تاريخيا حضورا قويا للعمل السياسي والنقابي والجمعوي، تحتاج اليوم إلى استعادة المعنى الحقيقي للانخراط السياسي: خدمة المدينة، الدفاع عن مصالح المواطنين، احترام المؤسسات، وقبل كل شيء القدرة على التضحية دون انتظار «الهمزة».

 

فالمناصب تتغير، والانتدابات تنتهي، والانتخابات تمر… لكن ما يبقى هو أثر الإنسان في مدينته، وما قدمه لها، لا ما أخذه منها.

جميع الحقوق محفوظـة © المرجو عند نقل المقال، ذكر المصدر الأصلي للموضوع مع رابطه.كل مخالفة تعتبر قرصنة يعاقب عليها القانون.
الكاتب : المكناسي عثمان
المصدر : هيئة تحرير مكناس بريس
التاريخ : 2026-09-09 13:18:46

 تعليقات الزوار عبر الفايسبوك 

 إعلانات 

 صوت و صورة 

1  2  3  4  5  6  7  8  9  المزيد 

 إعلانات 

 إنضم إلينا على الفايسبوك